متى أقام السيد المسيح العشاء الأخير؟
متى أقام السيد المسيح العشاء الأخير؟ في ليلة الفصح أم قبلها بيوم؟
دراسة مبسّطة في شهادة الأناجيل الأربعة، والتقويم القمري اليهودي، وآباء الكنيسة
الجواب باختصار
الأرجح أن السيد المسيح أقام العشاء الأخير مساء الخميس، قبل موعد عشاء الفصح اليهودي الرسمي بيوم واحد، وأنه صُلب يوم الجمعة في الساعات نفسها التي كانت تُذبح فيها خراف الفصح في الهيكل.
ومع ذلك كان عشاؤه عشاءً فصحياً بكل معنى الكلمة. فقد أقامه المسيح فصحاً جديداً، وقدّم فيه جسده ودمه لتلاميذه، ولهذا سمّاه متى ومرقس ولوقا «الفصح».
هذا ترجيح قوي، لكنه ليس يقيناً قاطعاً. وفي الصفحات التالية نعرض الأدلة كلها بأمانة، من الأناجيل الأربعة ومن التاريخ ومن آباء الكنيسة، حتى يرى القارئ بنفسه لماذا وصلنا إلى هذه النتيجة.
محتويات البحث
- أولاً: لماذا يبدو أن الأناجيل تختلف؟
- ثانياً: كيف كان اليهود يحسبون الزمن؟
- ثالثاً: عيد الفصح خطوة بخطوة
- رابعاً: ماذا يقول متى ومرقس ولوقا؟
- خامساً: ماذا يقول يوحنا؟
- سادساً: الروايتان على خط زمني واحد
- سابعاً: الرأي الأول : العشاء كان عشاء الفصح نفسه
- ثامناً: الرأي الثاني : العشاء كان قبل الفصح بيوم
- تاسعاً: ماذا قال آباء الكنيسة؟
- عاشراً: هل يمكن الجمع بين الروايتين؟
- حادي عشر: الخلاصة : ماذا نستنتج، وماذا يعني ذلك لإيماننا؟
- ثاني عشر: الرد على الاعتراض بمرقس 14: 12، وهل يدل الاختلاف على تحريف الكتاب؟
- المراجع
أولاً: لماذا يبدو أن الأناجيل تختلف؟
تتفق الأناجيل الأربعة على الأحداث الكبرى وترتيبها: عشاء مساء الخميس، ثم القبض على المسيح ليلاً، ثم صلبه وموته ودفنه يوم الجمعة قبل غروب الشمس، ثم راحة السبت، ثم القيامة فجر الأحد.
الاختلاف في نقطة واحدة فقط: أين يقع عيد الفصح اليهودي في هذا الأسبوع؟
- متى ومرقس ولوقا يقولون إن عشاء الخميس كان هو عشاء الفصح نفسه. فيكون يوم الصلب هو أول أيام العيد.
- يوحنا يقول إن العشاء كان «قبل عيد الفصح»، وإن رؤساء اليهود كانوا لا يزالون ينتظرون أكل الفصح صباح الجمعة. فيكون يوم الصلب هو يوم ذبح خراف الفصح، والعيد يبدأ مساء الجمعة.
الفرق إذن يوم واحد في التقويم اليهودي، لا في أيام الأسبوع. ولكي نفهم كيف يمكن أن ينشأ فرق كهذا، يكفي مثال من حياتنا الكنسية.
مثال: في الكنيسة القبطية نحتفل بعيد الميلاد يوم 7 يناير، لكن قداس العيد يُقام مساء 6 يناير. فإذا قال أحدهم «احتفلنا بالعيد ليلة 6 يناير»، وقال آخر «العيد يوم 7 يناير»، فكلاهما صادق؛ لأن اليوم الكنسي، مثل اليوم اليهودي، يبدأ من المساء. كثير من الالتباس في مسألتنا يأتي من هذا النوع من الحساب.
هذه المسألة لاحظها المسيحيون منذ القرن الثاني الميلادي، وناقشها آباء الكنيسة بهدوء. ولم يرَ أحد منهم أنها تمس جوهر الإيمان، لأن الأناجيل الأربعة متفقة على المعنى: المسيح هو فصحنا الحقيقي الذي ذُبح لأجلنا.
ثانياً: كيف كان اليهود يحسبون الزمن؟
لا يمكن فهم الخلاف دون أن نعرف أن اليهود كانوا يحسبون اليوم والشهر والسنة بطريقة تختلف عن طريقتنا اليوم في ثلاثة أمور.
1. اليوم يبدأ عند غروب الشمس
نحن نبدأ اليوم من منتصف الليل. أما في الكتاب المقدس فاليوم يبدأ عند غروب الشمس وينتهي عند غروبها في اليوم التالي. يقول سفر التكوين: «وكان مساءٌ وكان صباحٌ يوماً واحداً» (تك 1: 5)، فالمساء يأتي أولاً. ويقول سفر اللاويين عن السبت: «من المساء إلى المساء تسبتون سبتكم» (لا 23: 32).
مثال من كنيستنا: صلاة «رفع بخور عشية» التي تُقام مساء السبت هي بداية طقس يوم الأحد، لا نهاية يوم السبت. والكنيسة في ذلك تحفظ الحساب الكتابي القديم نفسه.
النتيجة العملية: ما نسميه نحن «مساء الخميس» هو عند اليهود بداية يوم الجمعة. فإذا قال الإنجيل إن العشاء كان «في المساء»، فهو يتحدث عن أول ساعات اليوم التالي في الحساب اليهودي.
في الرسم: الساعات المظللة بين غروب الخميس ومنتصف الليل هي عندنا «مساء الخميس»، وعند اليهود «ليلة الجمعة». وفي هذه الساعات بالضبط أقام المسيح العشاء الأخير.
2. الشهر يبدأ برؤية الهلال
الشهر اليهودي شهر قمري. يبدأ حين يُرى الهلال الجديد لأول مرة بعد غروب الشمس. وفي زمن المسيح لم يكن هناك تقويم مطبوع؛ بل كان شهود يأتون إلى المجلس الأعلى في أورشليم ويشهدون أنهم رأوا الهلال، فيعلن المجلس بداية الشهر، ثم يُبلَّغ الخبر إلى المدن الأخرى بإشعال النيران على قمم الجبال وبالرسل، كما تصف المشناه (روش هشانا، الفصلان 1–2).
ولأن دورة القمر نحو 29 يوماً ونصف، كان الشهر إما 29 يوماً أو 30 يوماً بحسب يوم رؤية الهلال.
مثال من بلادنا: نرى كل عام كيف يختلف إعلان بداية شهر رمضان أو العيد يوماً واحداً بين بلد وآخر، لأن الهلال لم يُرَ في مكان بسبب الغيوم أو الغبار. الأمر نفسه كان ممكناً في زمن المسيح: غيمة واحدة في السماء قد تؤخر بداية الشهر، ومعه موعد الفصح، يوماً كاملاً.
وبما أن الشهر يبدأ بالهلال، فاليوم الرابع عشر منه يقع تقريباً عند اكتمال القمر بدراً. لذلك كان الفصح دائماً في ليلة مقمرة، وهذا ما يفسر أن جنود رؤساء الكهنة احتاجوا مع ذلك «مشاعل ومصابيح» في بستان جثسيماني تحت ظلال الأشجار (يو 18: 3). ولهذا أيضاً ما زالت الكنائس حتى اليوم تحسب عيد القيامة بالرجوع إلى بدر الربيع.
3. السنة القمرية تحتاج إلى شهر إضافي
اثنا عشر شهراً قمرياً تساوي نحو 354 يوماً، أي أقل من السنة الشمسية بأحد عشر يوماً. ولو تُرك الأمر هكذا لانتقل الفصح تدريجياً من الربيع إلى الشتاء ثم إلى الصيف. لكن الشريعة تشترط أن يكون الفصح في الربيع، في «شهر أبيب» أي شهر السنابل الخضراء (خر 13: 4؛ تث 16: 1)، وهو الشهر الذي صار يسمى «نيسان» بعد السبي البابلي (نح 2: 1).
لذلك كان اليهود يضيفون شهراً ثالث عشر (آذار الثاني) في بعض السنين، نحو سبع مرات كل تسع عشرة سنة. وفي زمن المسيح كان المجلس يقرر ذلك سنة بسنة بحسب نضج الشعير وحالة الموسم. أما الحساب الثابت المعمول به اليوم فلم يُعتمد إلا في القرن الرابع الميلادي تقريباً.
مثال: هذا يشبه إضافة يوم 29 فبراير في السنة الكبيسة عندنا، لكن الإضافة هنا شهر كامل.
لماذا يهمنا هذا كله؟
- عبارات مثل «المساء» و«اليوم الأول» في الأناجيل يجب أن تُقرأ بحساب يبدأ من الغروب، لا من منتصف الليل.
- موعد الفصح في سنة معينة كان يتوقف على رؤية بشرية للهلال وعلى قرار المجلس. ولهذا كان الخلاف على يوم واحد ممكناً، وكانت بعض الجماعات اليهودية، مثل جماعة قمران، تتبع تقويماً شمسياً مختلفاً تماماً من 364 يوماً.
- يستطيع علماء الفلك اليوم حساب أطوار القمر في القرن الأول، ومعرفة السنوات التي وقع فيها 14 نيسان أو 15 نيسان يوم جمعة. وسنعود إلى هذه النقطة لاحقاً.
ثالثاً: عيد الفصح خطوة بخطوة
أصل العيد في سفر الخروج (خر 12): أمر الله كل عائلة من بني إسرائيل أن تذبح خروفاً بلا عيب، وتضع من دمه على قائمتي الباب، وتأكله ليلاً مع فطير وأعشاب مُرّة، «هو فصح للرب» (خر 12: 11). وكلمة «فصح» (بالعبرية «بيسح») تعني العبور أو التخطي، لأن الملاك المهلك عبر عن البيوت المرشوشة بالدم.
وفي زمن المسيح كانت الخراف تُذبح في هيكل أورشليم وحده، ثم تُؤكل داخل المدينة. وهكذا كان يسير العيد:
| اليوم والوقت (بالحساب اليهودي) | ما يحدث | الشاهد |
|---|---|---|
| 14 نيسان، صباحاً | إزالة كل خمير من البيوت | خر 12: 15؛ المشناه، فساحيم 1 |
| 14 نيسان، بعد الظهر (نحو 3–5 مساءً) | ذبح خراف الفصح في الهيكل. وإذا وافق 14 نيسان يوم جمعة، يُقدَّم الذبح نحو ساعة ليتسع الوقت قبل السبت | خر 12: 6؛ يوسيفوس، الحرب اليهودية 6.423؛ المشناه، فساحيم 5: 1 |
| غروب الشمس | ينتهي 14 نيسان ويبدأ 15 نيسان | الحساب اليهودي لليوم |
| ليلة 15 نيسان | عشاء الفصح: الخروف المشوي والفطير والأعشاب المرة وكؤوس الخمر، وتسبيح المزامير، ورواية قصة الخروج للأبناء | خر 12: 8، 26–27؛ مز 113–118 |
| نهار 15 نيسان | محفل مقدس، يوم عطلة لا يُعمل فيه عمل | لا 23: 7 |
| 15–21 نيسان | عيد الفطير سبعة أيام | لا 23: 6؛ عد 28: 17 |
مثال على حجم العيد: يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس أن عدد الخراف التي ذُبحت في أحد أعياد الفصح في القرن الأول بلغ نحو 256 ألف خروف (الحرب اليهودية 6.424). وحتى لو كان الرقم مبالغاً فيه، فهو يعطينا صورة عن مدينة مزدحمة بمئات الآلاف من الحجاج، وعن هيكل يعمل ساعات طويلة بعد ظهر 14 نيسان.
المعاني الثلاثة لكلمة «الفصح»
هذه نقطة مهمة جداً، لأن كثيراً من الخلاف يدور حولها. كلمة «الفصح» في الكتاب المقدس قد تعني:
- الخروف نفسه: «حين كانوا يذبحون الفصح» (مر 14: 12)، و«فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا» (1 كو 5: 7).
- وجبة العشاء الليلية: «لتأكل الفصح» (مر 14: 12).
- العيد كله بأيامه السبعة أو الثمانية: «وقرب عيد الفطير الذي يقال له الفصح» (لو 22: 1).
مثال من كنيستنا: نسمي أسبوع الآلام كله «البصخة»، وهي الكلمة اليونانية نفسها «باسخا» أي الفصح. فالكلمة التي تعني في الأصل خروف العيد صارت عندنا اسماً لأسبوع كامل. ويحدث الشيء نفسه حين نقول «العيد» ونقصد مرة يوم العيد نفسه ومرة «أيام العيد» كلها.
كلمة «الاستعداد»
كان اليهود يسمّون يوم الجمعة «الاستعداد» (باليونانية «باراسكيفي»)، لأنه اليوم الذي يُعدّ فيه الطعام قبل السبت. ويشرح مرقس ذلك صراحة: «إذ كان الاستعداد، أي ما قبل السبت» (مر 15: 42). وما زال اليونانيون حتى اليوم يسمّون يوم الجمعة بهذا الاسم. وسنرى أن هذه الكلمة مهمة في إنجيل يوحنا.
رابعاً: ماذا يقول متى ومرقس ولوقا؟
تُسمّى هذه الأناجيل الثلاثة «الأناجيل الإزائية» أي المتشابهة، لأنها تروي حياة المسيح بترتيب متقارب. والثلاثة يسمّون العشاء الأخير «الفصح» بوضوح.
إنجيل مرقس
«وفي اليوم الأول من الفطير، حين كانوا يذبحون الفصح، قال له تلاميذه: أين تريد أن نمضي ونُعِدّ لتأكل الفصح؟» (مر 14: 12). ثم: «فأعدّا الفصح. ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر» (مر 14: 16–17). وبعد العشاء: «ثم سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون» (مر 14: 26).
هذا أوضح نص في الكتاب المقدس لصالح أن العشاء كان في الموعد الرسمي؛ فمرقس يربط إعداد العشاء بالوقت الذي «كانوا يذبحون» فيه خراف الفصح، أي بعد ظهر 14 نيسان. فيكون العشاء في الليلة التالية، ليلة 15 نيسان.
أما تسمية هذا اليوم «اليوم الأول من الفطير» مع أن عيد الفطير يبدأ رسمياً في 15 نيسان، فهي تسمية شعبية شائعة. كان الناس يعدّون يوم إزالة الخمير وذبح الخروف بداية للعيد، ويوسيفوس نفسه يسمّي 14 نيسان «يوم الفطير» (الحرب اليهودية 5.99).
إنجيل متى
«وفي أول أيام الفطير تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين له: أين تريد أن نُعِدّ لك لتأكل الفصح؟ فقال: اذهبوا إلى المدينة، إلى فلان، وقولوا له: المعلم يقول: إن وقتي قريب. عندك أصنع الفصح مع تلاميذي. ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدّوا الفصح» (مت 26: 17–19).
متى يتبع مرقس في جوهر الرواية. لكن لاحظ عبارة «وقتي قريب»: يرى بعض المفسرين أن المسيح يعلن هنا أنه يحدد موعد فصحه بنفسه، لأن ساعة آلامه قد اقتربت.
إنجيل لوقا
«وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح. فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً: اذهبا وأعدّا لنا الفصح لنأكل» (لو 22: 7–8). ثم يقول المسيح عند المائدة: «شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأني أقول لكم: إني لا آكل منه بعد حتى يُكمَل في ملكوت الله» (لو 22: 15–16).
هنا لا يكتفي الإنجيلي بتسمية الوجبة فصحاً، بل ينقل عن المسيح نفسه أنه سمّاها «هذا الفصح». ويذكر لوقا كأسين، واحدة قبل الخبز وأخرى بعده (لو 22: 17–20)، وهذا يشبه تعدد الكؤوس في عشاء الفصح اليهودي.
الخلاصة من الأناجيل الثلاثة
من يقرأ هذه الأناجيل وحدها يفهم بسهولة أن المسيح أكل عشاء الفصح اليهودي في موعده: ليلة 15 نيسان، ثم صُلب نهار 15 نيسان، أي في أول أيام العيد. وهذه القراءة لها وزنها الكبير، ولا يجوز التقليل منها.
خامساً: ماذا يقول يوحنا؟
يوحنا لا يقول في أي موضع إن العشاء كان «قبل الفصح بيوم». لكنه يضع في روايته علامات صغيرة متتابعة، تفترض كلها أن خروف الفصح لم يكن قد أُكل بعد حين صُلب المسيح. وقوة شهادته ليست في آية واحدة، بل في اتفاق هذه العلامات معاً.
العلامة الأولى: «قبل عيد الفصح» (يو 13: 1–2)
«أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت... فحين كان العشاء...». يبدأ يوحنا رواية العشاء وغسل الأرجل بقوله إن ذلك كان قبل العيد. ويرد البعض بأن عبارة «قبل عيد الفصح» تصف معرفة المسيح ومحبته لا موعد العشاء، وهذا ممكن، لكن ظاهر النص أنه يضع المشهد كله قبل العيد.
العلامة الثانية: «اشترِ ما نحتاج إليه للعيد» (يو 13: 29)
حين خرج يهوذا من العشاء «ظن قوم، إذ كان الصندوق مع يهوذا، أن يسوع قال له: اشترِ ما نحتاج إليه للعيد، أو أن يعطي شيئاً للفقراء». إذا ظن التلاميذ أن يهوذا خرج ليشتري حاجات العيد، فالأقرب أن العيد لم يكن قد بدأ؛ فليلة العيد لم تكن وقتاً للبيع والشراء. لكن هذه العلامة لها وجه آخر: كانت الصدقة على الفقراء عادة معروفة في ليلة الفصح نفسها.
العلامة الثالثة، وهي الأقوى: «لكي يأكلوا الفصح» (يو 18: 28)
«ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية، وكان صبح. ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجسوا، فيأكلون الفصح». هذا صباح الجمعة، بعد القبض على المسيح. ورؤساء اليهود يرفضون دخول بيت الحاكم الروماني الوثني حتى لا يتنجسوا فيُمنعوا من أكل الفصح. فهم إذن لم يأكلوه بعد، وما زالوا ينتظرون أكله مساء الجمعة.
مثال للتقريب: لو قرأنا في رواية أن أحدهم رفض صباح يوم 6 يناير أن يأكل لحماً «حتى يستطيع أن يتناول في قداس العيد»، لفهمنا مباشرة أن قداس عيد الميلاد لم يكن قد أُقيم بعد.
العلامة الرابعة: «أن أُطلق لكم واحداً في الفصح» (يو 18: 39)
يقول بيلاطس إن عادتهم أن يطلق لهم سجيناً «في الفصح». وإطلاق السجين قبل عشاء الفصح يسمح له أن يشارك في العيد، وهذا أنسب لتاريخ يوحنا. لكنها علامة ضعيفة، لأن «في الفصح» قد تعني موسم العيد عامة.
العلامة الخامسة: «وكان استعداد الفصح» (يو 19: 14)
«وكان استعداد الفصح، ونحو الساعة السادسة. فقال لليهود: هوذا ملككم». ظاهر العبارة أنه كان يوم التهيئة للفصح، أي 14 نيسان، يوم ذبح الخراف. لكن كلمة «الاستعداد» تعني أيضاً يوم الجمعة كما رأينا، فيمكن أن تُفهم «جمعة أسبوع الفصح». والعبارة وحدها تحتمل المعنيين، لكنها حين تُقرأ مع العلامة الثالثة تميل بقوة إلى المعنى الأول.
العلامة السادسة: «لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً» (يو 19: 31)
يفسّر هذا عادة بأن السبت في تلك السنة وافق أول أيام عيد الفطير (15 نيسان)، فاجتمع فيه عيدان. وهذا يتفق تماماً مع جعل الجمعة 14 نيسان.
العلامة السابعة: «عظمٌ لا يُكسر منه» (يو 19: 36)
حين لم يكسر الجنود ساقي المسيح، رأى يوحنا في ذلك تحقيقاً لوصية خروف الفصح: «وعظماً لا تكسروا منه» (خر 12: 46). ومنذ أول إنجيله قدّم يوحنا المسيح بأنه «حمل الله» (يو 1: 29). هذه علامة لاهوتية أكثر منها تاريخية، لكنها تنسجم مع صورة المسيح يموت في الساعات التي تُذبح فيها خراف الفصح.
الخلاصة من يوحنا
من يقرأ يوحنا وحده يفهم أن العشاء كان مساء الخميس في بداية 14 نيسان، وأن المسيح صُلب يوم الجمعة 14 نيسان، يوم ذبح الخراف، وأن عشاء الفصح الرسمي أُكل مساء الجمعة بعد موته ودفنه.
سادساً: الروايتان على خط زمني واحد
يضع الرسم التالي الروايتين جنباً إلى جنب. اقرأه من اليمين إلى اليسار، ولاحظ أن أيام الأسبوع واحدة في الروايتين؛ الذي يتغير هو التاريخ اليهودي فقط، أي موقع عشاء الفصح الرسمي (المربع المظلل).
في الروايتين: العشاء ليلة الخميس، والصلب يوم الجمعة، والراحة يوم السبت، والقيامة فجر الأحد. الفرق أن عشاء الفصح الرسمي عند متى ومرقس ولوقا هو عشاء المسيح نفسه، بينما هو عند يوحنا عشاء اليهود مساء الجمعة بعد موت المسيح.
بعبارة أخرى: عند الإزائيين أكل المسيح الفصح ثم مات، وعند يوحنا مات المسيح في الساعة التي كان يُذبح فيها الفصح.
سابعاً: الرأي الأول : العشاء كان عشاء الفصح نفسه
أصحاب هذا الرأي يأخذون متى ومرقس ولوقا بمعناهم المباشر: العشاء ليلة 15 نيسان، والصلب نهار 15 نيسان. ومن أبرز من دافعوا عنه العالم الألماني Joachim Jeremias، ومن المعاصرين Brant Pitre وCraig Blomberg وD. A. Carson.
أدلته
- وضوح النصوص: مرقس يربط الإعداد بوقت ذبح الخروف (مر 14: 12)، ولوقا ينقل عن المسيح قوله «هذا الفصح» (لو 22: 15).
- اتفاق ثلاثة أناجيل. مع ملاحظة أن متى ولوقا اعتمدا كثيراً على مرقس، فاتفاقهم شهادة قوية، لكنه ليس ثلاث شهادات مستقلة تماماً.
- ملامح العشاء نفسه تشبه عشاء الفصح، وقد جمعها Jeremias في قائمة معروفة:
- أُقيم داخل أورشليم، والفصح وحده كان يجب أكله داخلها.
- أُقيم ليلاً، بينما كانت الوجبات العادية تؤكل قبل الغروب.
- اتكأ الحاضرون على الأرائك، وهذه علامة الأحرار في ليلة الفصح.
- شربوا خمراً، وهو غير معتاد في الطعام اليومي.
- فسّر المسيح معنى الخبز والكأس، كما يفسر رب البيت معاني طعام الفصح.
- خُتم العشاء بالتسبيح، وهو تسبيح مزامير الفصح على الأرجح.
- لم يرجع المسيح بعده إلى بيت عنيا كعادته، بل بقي في جثسيماني القريبة، وكانت شريعة الفصح تلزم المحتفلين بالبقاء في نطاق أورشليم تلك الليلة.
- يمكن تفسير يوحنا بطريقة تتفق مع ذلك: «يأكلون الفصح» (يو 18: 28) قد تعني ذبائح العيد التي تؤكل طوال الأسبوع، و«استعداد الفصح» (يو 19: 14) قد تعني «جمعة أسبوع الفصح».
صعوباته
- يحتاج إلى تفسير غير مباشر لعبارتي يوحنا. فعبارة «يأكلون الفصح» هي نفسها التي يستعملها مرقس للعشاء الرئيسي، ولا نجد شاهداً واضحاً من ذلك العصر يستعملها لذبائح بقية الأسبوع.
- تجعل يوم الصلب هو يوم العيد الأكبر، وهو يوم عطلة مقدسة لا يُعمل فيه عمل (لا 23: 7). ومع ذلك تذكر الأناجيل الثلاثة نفسها في ذلك اليوم أموراً تشبه أيام العمل:
- رؤساء الكهنة قرروا مسبقاً: «ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب» (مر 14: 2؛ مت 26: 5).
- انعقاد المجلس ومحاكمة وتنفيذ حكم بالإعدام.
- سمعان القيرواني كان «آتياً من الحقل» (مر 15: 21)، وقد يُفهم أنه عائد من عمل.
- يوسف الرامي «اشترى كتاناً» (مر 15: 46)، والبيع والشراء ممنوعان في العيد.
- النساء «أعددن حنوطاً وأطياباً، وفي السبت استرحن حسب الوصية» (لو 23: 56)، وكأن الجمعة كانت يوماً يجوز فيه العمل.
- لا يذكر أي إنجيل الخروف على المائدة، ولا الأعشاب المرة، ولا رواية الخروج. وهذه حجة من الصمت، فلا تكفي وحدها، لكنها تُلاحظ.
مثال على الصعوبة الثانية: تخيّل أن نقرأ في رواية أن المحاكم انعقدت والأسواق فُتحت والناس اشتروا ثياب الحداد صباح يوم عيد القيامة نفسه. هذا ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى تفسير.
وللمدافعين عن هذا الرأي أجوبة معقولة: فالحكم بالصلب نفّذته السلطة الرومانية لا اليهودية؛ وخطة الرؤساء تغيّرت حين عرض عليهم يهوذا تسليمه سراً؛ بل إن المشناه تذكر أن بعض المحكوم عليهم كانوا يُعدمون في الأعياد عمداً «ليسمع جميع الشعب ويخافوا» (تث 17: 13؛ المشناه، سنهدرين 11: 4). وشراء الكتان قد يكون ممكناً بترتيبات خاصة.
تقييم هذا الرأي: قوي من جهة نصوص الأناجيل الثلاثة، لكنه يحتاج إلى أكثر من تفسير إضافي ليتفق مع يوحنا ومع التفاصيل التاريخية ليوم الصلب.
ثامناً: الرأي الثاني : العشاء كان قبل الفصح بيوم
أصحاب هذا الرأي يأخذون يوحنا بمعناه المباشر: العشاء مساء الخميس في بداية 14 نيسان، والصلب يوم الجمعة 14 نيسان في ساعات ذبح الخراف، وعشاء الفصح الرسمي مساء الجمعة. ومن أبرز من رجّحوه من العلماء Raymond E. Brown وJohn P. Meier وJoel Marcus وJonathan Klawans، ومال إليه البابا بندكتس السادس عشر في كتابه «يسوع الناصري» (الجزء الثاني، 2011).
أدلته من الكتاب المقدس
- علامات يوحنا السبع التي تتفق كلها على أن الفصح لم يكن قد أُكل بعد (القسم الخامس)، وأقواها يو 18: 28.
- التفاصيل التي تذكرها الأناجيل الثلاثة نفسها عن يوم الصلب، وتبدو كأنها تفاصيل يوم عمل لا يوم عيد: انعقاد المجلس، وسمعان الآتي من الحقل، وشراء الكتان، وإعداد الحنوط (القسم السابع). وهذه الملاحظة مهمة: فهي تعني أن رواية الآلام عند الإزائيين أنفسهم تتفق في تفاصيلها مع تاريخ يوحنا.
- بولس الرسول، وهو أقدم من كتب عن العشاء (نحو سنة 54م)، يقول: «لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا» (1 كو 5: 7). هو لا يحدد تاريخاً، لكنه يربط موت المسيح بذبح الخروف لا بأكله. ويسمّي المسيح القائم «باكورة الراقدين» (1 كو 15: 20)، وتقدمة الباكورة في الشريعة كانت في اليوم التالي للسبت الفصحي (لا 23: 10–11). وهذا يتفق جيداً مع قيامة يوم 16 نيسان، أي مع تاريخ يوحنا، لكنه استنتاج لا نص صريح.
أدلته من التاريخ
- التلمود البابلي يحفظ تقليداً يهودياً قديماً يقول: «في عشية الفصح عُلّق يشوع» (سنهدرين 43أ). هذا النص دُوّن متأخراً (القرن الخامس أو السادس)، وكُتب بروح معادية للمسيحية، لكن قيمته أنه لم يأخذ هذا التاريخ من الأناجيل على الأرجح، ومع ذلك يوافق يوحنا.
- إنجيل بطرس، وهو كتاب منحول غير قانوني من القرن الثاني، يقول إن المسيح أُسلم «قبل اليوم الأول من الفطير، عيدهم» (2: 5). هو ليس سنداً قوياً، لكنه يدل على انتشار هذا التاريخ مبكراً.
- الحساب الفلكي، وهو المكان الذي يعود فيه التقويم القمري إلى الواجهة. يستطيع علماء الفلك حساب موعد ظهور الهلال في كل شهر من القرن الأول، ومن ثم معرفة يوم 14 نيسان في كل سنة. وقد درس العالمان Colin Humphreys وW. G. Waddington (1983) السنوات من 26 إلى 36م، وهي سنوات ولاية بيلاطس البنطي. ووجدا أن 14 نيسان وقع يوم جمعة في سنتين مناسبتين: سنة 30م (7 أبريل) وسنة 33م (3 أبريل)، بينما يصعب أن نجد سنة مناسبة وقع فيها 15 نيسان يوم جمعة.
تنبيه على الدليل الفلكي: الحساب يعتمد على افتراض أن الهلال رُئي في أول ليلة ممكنة، وعلى معرفة هل أُضيف شهر كبيس في تلك السنة. وقد رأينا أن غيمة واحدة كانت تكفي لتأخير الشهر يوماً. لذلك يبقى هذا الدليل مرجِّحاً لا قاطعاً.
صعوباته
- نص مرقس الصريح: «حين كانوا يذبحون الفصح» (مر 14: 12). وهذه أكبر صعوبة أمام هذا الرأي، ولا يوجد دليل يلغيها.
- قول المسيح نفسه في لوقا: «هذا الفصح» (لو 22: 15).
- سؤال عملي: إذا كان العشاء قبل موعد ذبح الخراف في الهيكل، فهل كان على المائدة خروف؟ لا يذكر أي إنجيل خروفاً، فالأرجح عند أصحاب هذا الرأي أن المسيح أقام عشاءً فصحياً بلا خروف، لأنه هو نفسه سيكون الخروف في اليوم التالي.
تقييم هذا الرأي: قوي من جهة التاريخ، لأن أدلة مستقلة متعددة تشير إليه. وعليه أن يجيب عن سؤال واحد كبير: لماذا سمّى الإنجيليون الثلاثة العشاء «الفصح»؟ والجواب الذي يقدّمه سنراه في القسم العاشر.
تاسعاً: ماذا قال آباء الكنيسة؟
لم يجمع الآباء على رأي واحد في هذه المسألة. لكن أقدم الشهادات المسيحية بعد الرسل تميل بوضوح إلى أن المسيح صُلب يوم 14 نيسان، يوم ذبح الخراف.
كنائس آسيا الصغرى: تقليد منسوب إلى يوحنا الرسول
في القرن الثاني كانت كنائس آسيا الصغرى (أفسس وسميرنا وما حولهما) تحتفل بذكرى آلام المسيح يوم 14 نيسان نفسه، أياً كان يوم الأسبوع، ولذلك سُمّي أتباع هذه العادة «الأربعة عشريين». وكانوا يقولون إنهم تسلّموها من يوحنا الرسول وفيلبس الرسول. ويروي المؤرخ يوسابيوس القيصري أن القديس بوليكاربوس أسقف سميرنا، تلميذ يوحنا الرسول، زار روما نحو سنة 155م وناقش هذه المسألة مع أسقفها، فلم يتفقا، لكنهما بقيا في شركة كاملة وصلّيا معاً (التاريخ الكنسي 5.24). ومن هذا التقليد وصلتنا عظة القديس ميليتون أسقف ساردس «عن الفصح»، التي تتأمل في المسيح بوصفه الخروف المذبوح.
قيمة هذه الشهادة كبيرة، لأنها تقليد عبادي حيّ، مرتبط بالكنيسة التي عاش فيها يوحنا الرسول نفسه.
شهادات صريحة من القرنين الثاني والثالث
حفظ لنا كتاب قديم اسمه «التاريخ الفصحي» (Chronicon Paschale) فقرات من ثلاثة آباء:
- القديس أبوليناريوس أسقف هيرابوليس (نحو سنة 170م): ينتقد من يقولون إن الرب أكل الخروف مع تلاميذه يوم 14 ثم تألم في يوم الفطير العظيم، ويقول إن يوم 14 هو «فصح الرب الحقيقي، الذبيحة العظيمة».
- القديس إكليمندس الإسكندري (نحو سنة 200م)، من مدرسة الإسكندرية: يقول إن المسيح في تلك السنة لم يأكل الفصح، بل كان هو نفسه الفصح، وتألم يوم 14.
- القديس هيبوليتس الروماني (أوائل القرن الثالث): «لم يأكل الفصح، بل تألم به، إذ لم يكن الوقت وقت أكله».
آباء القرنين الرابع والخامس
- القديس يوحنا ذهبي الفم (العظة 83 على إنجيل يوحنا) يطرح احتمالين لتفسير يو 18: 28: إما أن يوحنا يقصد بالفصح العيد كله، وإما أن المسيح أقام الفصح قبل موعده بيوم «محتفظاً بذبح نفسه ليوم الجمعة، حين كان الفصح القديم يُقام». لكنه في عظاته على متى يشرح الرواية بحسب الأناجيل الثلاثة، فلا يصح أن ننسب إليه رأياً واحداً.
- القديس كيرلس الإسكندري (تفسير إنجيل يوحنا، الكتاب 12) يتحدث عن رؤساء اليهود وهم يقودون المسيح إلى بيلاطس بينما كانوا لا يزالون يستعدون لذبح خروف الفصح، ويبرز المفارقة بين حرصهم على الطهارة الشكلية وتسليمهم الخروف الحقيقي للموت.
- القديس أغسطينوس (اتفاق الإنجيليين) يضع قاعدة مفيدة: اختلاف الإنجيليين في اختيار التفاصيل أو ترتيبها لا يعني تناقضاً في الحدث نفسه.
الخبز المختمر في القربان
تستعمل الكنائس الشرقية، ومنها كنيستنا القبطية، خبزاً مختمراً في سر الإفخارستيا، بينما تستعمل الكنيسة اللاتينية الفطير. ومن الحجج التي طُرحت في الجدل بين الشرق والغرب، خاصة في القرن الحادي عشر، أن العشاء الأخير كان قبل أيام الفطير، فلم يكن الخبز على المائدة فطيراً. هذه الحجة وحدها لا تحسم المسألة التاريخية، لكن الممارسة الشرقية القديمة تتفق مع قراءة يوحنا.
خلاصة موقف الآباء: عرف الآباء القراءتين، وأقدمهم يميلون إلى أن المسيح مات يوم ذبح الخراف. وكلهم متفقون على المعنى: المسيح هو الفصح الحقيقي.
عاشراً: هل يمكن الجمع بين الروايتين؟
حاول المفسرون عبر القرون التوفيق بين الروايتين بعدة طرق. أقربها إلى الإقناع فكرة «الفصح المُقدَّم»، أما الباقي فممكن لكنه يحتاج إلى افتراضات لا دليل مباشراً عليها.
| المحاولة | الفكرة ببساطة | تقييمها |
|---|---|---|
| الفصح المُقدَّم | المسيح، عالماً أنه سيموت ساعة ذبح الخراف، أقام فصحه مع تلاميذه قبل الموعد بيوم. فهو فصح حقيقي في معناه، ومُقدَّم في موعده | الأقوى: يحفظ تسمية الإزائيين وتاريخ يوحنا معاً، وذكره ذهبي الفم احتمالاً. لكنه لا يفسر تماماً قول مرقس «حين كانوا يذبحون الفصح» |
| إعادة تفسير يوحنا | «يأكلون الفصح» تعني ذبائح بقية أيام العيد، و«استعداد الفصح» تعني جمعة أسبوع العيد | ممكن لغوياً، لكنه يحتاج إلى تأويلين معاً، ولا يفسر تفاصيل يوم العمل في الأناجيل الثلاثة |
| خلاف على رؤية الهلال | اختلفت الجماعات اليهودية تلك السنة على يوم ظهور الهلال، فاحتفل بعضهم بالفصح قبل غيرهم بيوم | ينسجم مع طبيعة التقويم القمري. والخلاف على شهادة رؤية الهلال وقع فعلاً في ذلك العصر (المشناه، روش هشانا 2: 1)، واقترح هذا الحل Strack وBillerbeck (1924)، لكن لا يوجد نص يذكر خلافاً كهذا في تلك السنة |
| تقويم قمران الشمسي | اتبع المسيح تقويماً شمسياً من 364 يوماً، فأكل الفصح مساء الثلاثاء (نظرية Annie Jaubert، 1957) | ضعيف: لا دليل أن المسيح اتبع هذا التقويم، والأناجيل كلها تضع العشاء في ليلة القبض عليه |
| تقويم قمري أقدم | حساب فلكي آخر يجعل العشاء مساء الأربعاء (نظرية Colin Humphreys، 2011) | ضعيف للسبب نفسه: لا شاهد على استعمال المسيح له |
| اختلاف التركيز | الإزائيون يبرزون معنى العشاء بوصفه فصحاً، ويوحنا يبرز معنى الصليب بوصفه ذبح الفصح | يفسر سبب الاختلاف، لكنه لا يحدد وحده أي التاريخين هو الأصلي |
مثال يوضح فكرة «الفصح المُقدَّم»
مثال: تخيّل عائلة مسيحية يسافر ربّها في مهمة صباح يوم العيد، ولن يكون معهم ليلته. فيجمع أسرته مساء اليوم السابق، ويقيم عشاء العيد كاملاً، ويقول لهم: «اشتهيت أن أحتفل بهذا العيد معكم قبل أن أسافر». بعد سنوات يتذكر أحد الأبناء تلك الليلة فيقول: «كان ذلك عشاء العيد». ويقول آخر: «كان ذلك قبل العيد بيوم». الاثنان صادقان: الأول يتحدث عن معنى العشاء، والثاني عن موعده.
هكذا يمكن فهم الأناجيل: متى ومرقس ولوقا حفظوا لنا هوية العشاء، فهو فصح المسيح الذي «اشتهى» أن يأكله مع تلاميذه «قبل أن يتألم» (لو 22: 15). ويوحنا حفظ لنا موعده الدقيق في التقويم، وأن المسيح مات في الساعة التي كانت تُذبح فيها خراف الفصح.
حادي عشر: الخلاصة: ماذا نستنتج، وماذا يعني ذلك لإيماننا؟
النتيجة: الأرجح أن السيد المسيح أقام العشاء الأخير مساء الخميس، في بداية 14 نيسان بالحساب اليهودي، أي قبل عشاء الفصح الرسمي بيوم واحد. وصُلب يوم الجمعة 14 نيسان، في الساعات التي كانت تُذبح فيها خراف الفصح في الهيكل. وكان عشاؤه مع ذلك عشاءً فصحياً حقيقياً في معناه، أقامه فصحاً جديداً قبل أن يتألم.
لماذا نرجّح ذلك؟
- علامات يوحنا السبع تتفق كلها على أن الفصح الرسمي لم يكن قد أُكل يوم الصلب، ويصعب تأويلها جميعاً تأويلاً آخر.
- الأناجيل الثلاثة نفسها تصف يوم الصلب بتفاصيل يوم عمل عادي لا يوم عيد مقدس.
- أقدم التقاليد الكنسية تشهد لهذا التاريخ: كنائس آسيا الصغرى المرتبطة بيوحنا الرسول، وأبوليناريوس وإكليمندس الإسكندري وهيبوليتس.
- شهادات من خارج الكنيسة توافقه، وأهمها التلمود: «في عشية الفصح عُلّق يشوع».
- الحساب الفلكي للتقويم القمري يجعل 14 نيسان يوم جمعة في سنتي 30 و33م، بينما يصعب ذلك لـ 15 نيسان.
- هذا الترجيح لا يلغي شهادة متى ومرقس ولوقا، بل يفهمها: فقد سمّوا العشاء «فصحاً» لأنه كان فعلاً فصح المسيح الجديد.
إلى أي درجة نحن متأكدون؟
هذا ترجيح قوي، لا يقين قاطع. فما زال نص مرقس «حين كانوا يذبحون الفصح» (مر 14: 12) اعتراضاً قائماً لا نملك ما يلغيه. ولا يوجد إجماع بين العلماء: أغلب الدارسين المعاصرين يميلون إلى تاريخ يوحنا، وفريق معتبر يدافع عن تاريخ الأناجيل الثلاثة. والأمانة تقتضي أن نقول ذلك بوضوح.
| السؤال | الجواب |
|---|---|
| ماذا يفهم القارئ من متى ومرقس ولوقا؟ | العشاء هو عشاء الفصح الرسمي ليلة 15 نيسان |
| ماذا يفهم القارئ من يوحنا؟ | العشاء قبل الفصح، والصلب يوم 14 نيسان |
| ما الأرجح تاريخياً؟ | العشاء قبل الفصح الرسمي بيوم، وكان فصحياً في معناه |
| ما أقوى اعتراض على هذا الترجيح؟ | مرقس 14: 12 (انظر الرد عليه في القسم التالي) |
| هل يتغير شيء في إيماننا؟ | لا شيء في الجوهر |
ماذا يعني ذلك لإيماننا؟
الأناجيل الأربعة متفقة على كل ما يمس الخلاص: أن المسيح أسس سر الإفخارستيا في ليلة تسليمه، وأنه قدّم ذاته على الصليب ذبيحة عن العالم، وأنه قام في اليوم الثالث. واختلافها في تحديد اليوم اليهودي هو اختلاف في زاوية الرؤية، لا في الحدث.
بل إن الروايتين معاً تقدمان صورة أغنى من كل واحدة منهما وحدها. الإزائيون يقولون لنا: في هذا العشاء أعطانا المسيح فصحاً جديداً، جسده ودمه بدل الخروف القديم. ويوحنا يقول لنا: على الصليب صار المسيح نفسه خروف الفصح، ومات في الساعة التي كانت تُذبح فيها الخراف التي كانت ترمز إليه.
وهذا ما لخّصه بولس الرسول في عبارة واحدة:
«لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا»1 كورنثوس 5: 7
ثاني عشر: الرد على الاعتراض بمرقس 14: 12، وهل يدل الاختلاف على تحريف الكتاب؟
يستعمل بعض المهاجمين هذا الاختلاف للقول إن الأناجيل متناقضة، ومن ثم محرّفة. والجواب في مستويين: كيف يُفهم نص مرقس مع يوحنا، ولماذا لا يدل الاختلاف على تحريف أصلاً.
أولاً: الردود على الاعتراض بنص مرقس
| الرد | خلاصته | من قال به |
|---|---|---|
| الفصح المُقدَّم | أقام المسيح فصحه قبل الموعد بيوم لأنه سيموت ساعة الذبح. فوصف الإنجيليون الإعداد بلغة الفصح المعتادة لأنه كان فصحه فعلاً | ذهبي الفم (أحد احتمالين)، البابا بندكتس السادس عشر |
| لغة شعبية لا تقويمية | عبارة مرقس كلها تسمية شعبية لموسم العيد؛ بدليل أنه يسمّي يوم 14 «اليوم الأول من الفطير» مع أن الفطير يبدأ في 15. فهو يعرّف اليوم بموسمه لا بالساعة الدقيقة للذبح | كثير من المفسرين |
| إعادة قراءة يوحنا | نص مرقس على ظاهره، ويوحنا لا يخالفه: «يأكلون الفصح» تعني ذبائح بقية العيد، و«استعداد الفصح» تعني جمعة أسبوع العيد | Carson، Blomberg، Pitre |
| تقويمان مختلفان | كل إنجيل يتبع تقويماً كان معمولاً به عند جماعة يهودية، فكلاهما صحيح بحسب تقويمه | Jaubert، Strack وBillerbeck، Humphreys |
| اختلاف الزاوية | الإزائيون يقدّمون العشاء بحسب معناه (فصح جديد)، ويوحنا يقدّم الصليب بحسب معناه (ذبح الحمل)، والحدث واحد | أغسطينوس (مبدأ عام)، وكثير من الدارسين |
قد يرى القارئ أن بعض هذه الردود أقوى من بعض، لكن وجود عدة تفسيرات معقولة يكفي لإثبات أن النصين لا يلزم منهما تناقض.
ثانياً: لماذا لا يدل هذا الاختلاف على تحريف؟
- التحريف يعني أن النص تغيّر بعد كتابته. وهذا يُثبت بالمخطوطات لا بالانطباع. ونصوص مرقس 14: 12 ويوحنا 18: 28 و19: 14 واردة في أقدم المخطوطات المعروفة، مثل البردية 66 لإنجيل يوحنا (نحو سنة 200م)، والمخطوطتين السينائية والفاتيكانية للأناجيل كلها (القرن الرابع)، دون قراءات تغيّر معنى هذه العبارات. فالنص الذي بين أيدينا هو النص الذي كتبه الإنجيليون.
- لو كان أحد يحرّف الأناجيل لأزال هذا الاختلاف أولاً. لكن الكنيسة حفظت الأناجيل الأربعة كما هي، بما فيها من اختلافات ظاهرة، ولم تقبل أن يحل محلها إنجيل واحد مدمج (مثل «الدياطسرون» الذي ألّفه تاتيان في القرن الثاني). وهذا دليل على الأمانة في النقل، لا على التلاعب.
- الكنيسة الأولى ناقشت الاختلاف علناً منذ القرن الثاني: أبوليناريوس نحو سنة 170م، ثم إكليمندس وهيبوليتس وذهبي الفم وأغسطينوس. ولم يقل أحد منهم، ولا أحد من خصوم المسيحية الأوائل، إن النص قد بُدّل.
- اختلاف الشهود في التفاصيل مع اتفاقهم في الجوهر علامة صدق لا كذب. مثال: لو شهد أربعة أشخاص على حادث سيارة بكلمات متطابقة تماماً، لشك القاضي أنهم اتفقوا على الرواية. أما اتفاقهم على ما حدث مع اختلاف بسيط في الوقت أو الترتيب، فهو ما يتوقعه أي قاضٍ من شهود مستقلين.
- الاختلاف لا يمس أي عقيدة. فالأناجيل الأربعة، ومعها بولس الرسول، متفقة على أن المسيح أسس سر الإفخارستيا ليلة تسليمه، وصُلب يوم الجمعة، وقام يوم الأحد، وأنه هو الفصح الحقيقي.
- المعيار نفسه لا يُطبّق على أي تاريخ قديم آخر. مثال: يختلف المؤرخان القديمان بلوتارخ وأريانوس في تفاصيل الأيام الأخيرة للإسكندر الأكبر، ومع ذلك لا يشك أحد في أنه مات في بابل سنة 323 قبل الميلاد، ولا يقول أحد إن كتبهما محرّفة. صعوبة في التفسير شيء، وتحريف النص شيء آخر تماماً.
المراجع
النصوص الكتابية مقتبسة من ترجمة فاندايك العربية. أُعدّت قائمة المراجع دون تصفح الإنترنت، فيُنصح بالتحقق من أرقام الصفحات والروابط قبل الاستشهاد بها.
الكتاب المقدس
- الكتاب المقدس، ترجمة فاندايك. النصوص الأساسية: تك 1: 5؛ خر 12؛ 13: 4؛ لا 23: 5–11، 32؛ عد 28: 16–25؛ تث 16: 1–8؛ 17: 13؛ مت 26–27؛ مر 14–15؛ لو 22–23؛ يو 1: 29؛ 13؛ 18–19؛ 1 كو 5: 7؛ 11: 23–26؛ 15: 20.
مصادر يهودية قديمة
- يوسيفوس. «العاديات اليهودية» 3.248–251؛ و«الحرب اليهودية» 5.99 و6.423–424.
- المشناه: فساحيم 1، 5: 1، 10؛ روش هشانا 1–2 (وفي 2: 1 خبر الخلاف على شهود رؤية الهلال)؛ سنهدرين 11: 4. Sefaria.
- التلمود البابلي، سنهدرين 43أ. Sefaria.
- إنجيل بطرس (منحول) 2: 5. في: Ehrman, B. D., & Pleše, Z. The Apocryphal Gospels. Oxford University Press, 2011.
آباء الكنيسة
- يوسابيوس القيصري. التاريخ الكنسي، الكتاب 5، الفصول 23–25. New Advent.
- ميليتون أسقف ساردس. «عن الفصح». تحقيق S. G. Hall، Oxford: Clarendon, 1979.
- فقرات أبوليناريوس الهيرابولي وإكليمندس الإسكندري وهيبوليتس في «التاريخ الفصحي» (Chronicon Paschale)؛ ترجمتها الإنجليزية في Ante-Nicene Fathers، المجلدات 2 و5 و8.
- يوحنا ذهبي الفم. العظة 83 على إنجيل يوحنا. New Advent.
- يوحنا ذهبي الفم. العظة 81 على إنجيل متى. New Advent.
- كيرلس الإسكندري. تفسير إنجيل يوحنا، الكتاب 12. tertullian.org.
- أغسطينوس. «اتفاق الإنجيليين». New Advent.
دراسات حديثة
- Ratzinger, J. (البابا بندكتس السادس عشر). Jesus of Nazareth, Part Two: Holy Week. Ignatius Press, 2011، الفصل 5. (مناسب للقارئ غير المتخصص.)
- Pitre, B. Jesus and the Last Supper. Eerdmans, 2015. (يدافع عن الطابع الفصحي للعشاء بأسلوب واضح.)
- Jeremias, J. The Eucharistic Words of Jesus. SCM / Fortress, 1966.
- Brown, R. E. The Death of the Messiah. 2 vols. Doubleday, 1994، الملحق الثاني في المجلد الثاني.
- Meier, J. P. A Marginal Jew, vol. 1. Doubleday, 1991، الفصل 14.
- Marcus, J. "Passover and Last Supper Revisited." New Testament Studies 59.3 (2013): 303–324. DOI.
- Bond, H. K. "Dating the Death of Jesus: Memory and the Religious Imagination." New Testament Studies 59.4 (2013): 461–475. DOI.
- Klawans, J. "Was Jesus' Last Supper a Seder?" Bible Review 17.5 (2001). Biblical Archaeology Society.
- Humphreys, C. J., & Waddington, W. G. "Dating the Crucifixion." Nature 306 (1983): 743–746. DOI.
- Humphreys, C. J. The Mystery of the Last Supper. Cambridge University Press, 2011.
- Jaubert, A. La Date de la Cène. Paris: Gabalda, 1957.
- Carson, D. A. The Gospel According to John. Eerdmans, 1991.
- Blomberg, C. L. The Historical Reliability of John's Gospel. IVP, 2001.
- Strack, H. L., & Billerbeck, P. Kommentar zum Neuen Testament aus Talmud und Midrasch, Bd. 2. München: C. H. Beck, 1924، الملحق عن يوم موت المسيح (Der Todestag Jesu). وانظر نقد هذا الحل في Jeremias، The Eucharistic Words of Jesus، الفصل الأول.


