حين لمس الله التراب
حين لمس الله التراب
مقدمة السلسلة
من أغرب الحاجات اللي لاحظتها مؤخراً إننا أحيانًا بنتصرف كأن المادة شيء ربنا مستحمله على مضض، وكأن الروح هو الجزء النقي، بينما المادة هي الجزء الثقيل الذي يشد الإنسان إلى أسفل. ومن هنا يبدأ يتسلل لوعينا تصور إن الجسد عبء، وإن الحواس تشويش، وإن الطقس مجرد شكل، وإن المكان الكنسي مجرد جدران، وإن الماء يظل مجرد ماء، والزيت مجرد زيت، والخبز مجرد خبز، والعظمة مجرد عظمة، والصورة مجرد ألوان على خشب.
وكأن الرحلة الروحية كلها معناها إن الإنسان يتخفف تدريجيًا من كل ما هو مادي ومحسوس، علشان يقترب من ربنا بطريقة أكثر نقاءً وروحانية.
لكن المشكلة إن القصة من بدايتها مش بتقول كده.
في الصفحات الأولى من الكتاب المقدس، ربنا لم يخلق أرواحًا معلقة في فضاء روحي بعيد عن المادة. خلق نورًا وماءً وأرضًا ونباتًا ونجومًا وحيوانات، ثم خلق الإنسان نفسه من تراب الأرض. وبعد ما اكتملت الخليقة، لم يقل عنها إنها أقل قيمة لأنها مادية، ولا إنها شر لا بد أن نتجاوزه، لكنه أعلن عنها:
وده فرق مهم جدًا.
الكتاب لا يبدأ من احتقار المادة، لكنه يبدأ من إعلان صلاحها.
وبعدين تحصل لحظة شديدة الغرابة والجمال: ربنا يشكّل الإنسان من تراب الأرض وينفخ في أنفه نسمة حياة. ومن اللحظة دي يظهر الإنسان في الكتاب ككائن لا يمكن اختزاله في روح فقط ولا في جسد فقط. الإنسان هو هذا الاتحاد العجيب بين التراب ونسمة الحياة؛ جسد يحمل روحًا، ومادة قادرة على معرفة الله والدخول في علاقة معه.
ثم جاء السقوط، وابتدى الفساد يدخل حياة الإنسان وعلاقته بنفسه وبربنا وبالخليقة. لكننا أحيانًا، من غير ما ناخد بالنا، ننقل مشكلة الخطية من إرادة الإنسان وقلبه إلى المادة نفسها، فنبدأ نتعامل مع الجسد كأنه المشكلة، ومع الحواس كأنها عدوة الروح، ومع كل ما هو منظور ومحسوس كأنه درجة أدنى من الحياة الروحية.
لكن هنا تأتي المفاجأة الكبرى في المسيحية.
عندما أراد الله أن يخلّص الإنسان، لم يخلّصه من بعيد، ولم يرسل له مجرد فكرة أو وصية أو معرفة روحانية. الكتاب يقول ببساطة مذهلة:
الجملة دي لو أخذناها بجد، فهي كفيلة إنها تغيّر نظرتنا للمادة والجسد والحواس كلها.
الله لم يقف خارج عالم المادة وينادينا من بعيد، لكنه دخل التاريخ فعلًا. وُلد، ونما، وجاع، وعطش، وبكى، ولمس المرضى، ووضع الطين على عين الأعمى، ومد يده إلى من لا يُقتَرَب منهم، وتألم في جسد حقيقي، وصُلِب على خشبة، ووُضِع في قبر، ثم قام بجسد ممجد.
إذا كان الجسد نفسه قد دخل في سر الخلاص، فلماذا نضع الجسد والروح في مواجهة دائمة؟ وإذا كان المسيح استخدم اللمس والماء والطين والخبز والخمر، فلماذا نتصور أن كل ما هو محسوس أقل روحانية؟ وإذا كان الجسد يمكن أن يكون هيكلًا للروح القدس، فهل القداسة تخص النفس وحدها، أم إنها تمس الإنسان كله؟
ومن هنا تتفرع أسئلة كثيرة تبدو في الظاهر منفصلة، لكنها في الحقيقة مرتبطة بخيط لاهوتي واحد: ماذا نفعل بأجساد القديسين؟ وما معنى الرفات؟ ولماذا تستخدم الكنيسة الماء في المعمودية، والزيت في المسحة، والخبز والخمر في الإفخارستيا؟ وما قيمة البخور والركوع وعلامة الصليب والأيقونة والمكان المقدس؟ هل كل هذه مجرد بقايا لتدين مادي أقل نقاءً من الإيمان؟ أم إن المسيحية نفسها عندها رؤية أعمق بكثير من الثنائية السهلة بين «الروح» و«المادة»؟
السلسلة دي مش هدفها الدفاع عن الأيقونات وحدها، ولا كسب مناظرة عن الرفات، ولا إثبات إن ممارسة كنسية معينة صحيحة لمجرد إنها قديمة. السؤال أوسع من كل ده:
هل الإنسان الحقيقي هو روحه فقط، والجسد مجرد غلاف مؤقت؟ هل الخلاص هو خروج النفس من سجن الجسد؟ هل المادة مجرد رمز خارجي لحقيقة روحية منفصلة عنها؟ أم إن الإنجيل يقدم رؤية أكثر جرأة: إن ربنا لا يخلّص الإنسان من جسده، لكنه يخلّص الإنسان كله، وإن الخلاص لا يعني الهروب من الخليقة، بل بداية تجديدها؟
وده مش سؤال فلسفي جانبي، لكنه سؤال له علاقة مباشرة بقلب العقيدة المسيحية. لو فهمنا المادة غلط، هنفهم التجسد غلط. ولو فهمنا التجسد غلط، هنفهم الأسرار غلط. ولو فهمنا الأسرار غلط، ممكن نشوف الأيقونة والرفات والطقس والعبادة الجسدية كلها كأنها إضافات خارجية بلا معنى.
لكن لو بدأنا من البداية، من الخلق، ومن صلاح المادة، ومن طبيعة الإنسان كجسد وروح، ث؛م دخلنا إلى سر التجسد، ساعتها حاجات كثيرة كانت تبدو منفصلة تبدأ تترتب في مكانها الطبيعي.
يمكن وقتها نفهم ليه الكنيسة لا ترى الإنسان كروح محبوسة داخل جسد. ويمكن نفهم ليه قيامة الجسد عقيدة أساسية وليست تفصيلة ثانوية. ويمكن نفهم ليه الماء يدخل في سر المعمودية، وليه الخبز والكأس لهما مكان مركزي في الإفخارستيا، وليه جسد الشهيد لا يُعامل كشيء انتهت قيمته بعد الموت، وليه الصورة يمكن أن تشهد للتجسد من غير ما تتحول إلى صنم، وليه الركوع لا يناقض الصلاة من القلب، وليه المخدع لا يلغي الكنيسة، وليه الطقس لا يعني بالضرورة الشكلية.
لكن في الوقت نفسه، لازم نحافظ على توازن مهم جدًا. المسيحية لا تؤلّه المادة. الخشب مش إله، والزيت مش سحر، والعظام مش تعويذة، والماء لا يعمل بقوة مستقلة، والصورة ليست الله. أي مادة تأخذ مكان الله تتحول إلى صنم، وأي طقس ينفصل عن الإيمان والتوبة يمكن أن يتحول إلى حركة فارغة، وأي ممارسة تُفهم بطريقة سحرية تحتاج إلى تصحيح.
وكيف يدخل الله عالم المادة من غير ما تتحول المادة إلى إله؟ وكيف تتقدس الخليقة بنعمته من غير ما نخلط بين الخليقة والخالق؟
السلسلة دي محاولة نمشي في الطريق ده بهدوء وأمانة. هنبدأ من الخلق، ثم ننتقل إلى التجسد، ومن التجسد إلى الأسرار، ومن الأسرار إلى أجساد القديسين، ومن هناك إلى الصورة والأيقونة، ثم إلى الطقس والصلاة والحواس والجسد كله في العبادة.
ويمكن في نهاية الطريق نكتشف إن حاجات كتير إحنا تعودنا نفصلها عن بعض، الكتاب نفسه بيربطها بخيط واحد.
خيط يبدأ من التراب الذي شكّل منه الله الإنسان، ويمر بالكلمة الذي صار جسدًا، وينتهي بالرجاء اللي يتكلم عنه بولس حين يقول إن «الخليقة نفسها ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله».
وقتها يمكن نفهم إن المسيحية مش ديانة بتحاول تنقذ الروح من المادة، لكنها خبر مفرح عن إله جاء ليخلّص الإنسان كله.
Comments
Post a Comment