كنيسة القديسين - التسبيح لله وحده؟

 كنيسة القديسين (10)

مش التسبيح لله وحده؟

توماس: بصراحة، أنا عندي سؤال محيرني. إنتوا ليه في الكنيسة القبطية بتمدحوا القديسين وبتعملوا لهم تماجيد؟ أليس المجد لله وحده؟ مش ده نوع من الشرك؟

معتز: سؤالك مهم جدًا. بس قبل ما نحكم، محتاجين نفرّق بين حاجتين مختلفتين: العبادة والإكرام.

توماس: وإيه الفرق؟ ما أنتم بتقولوا كلام كبير جدًا عن القديسين.

معتز: لو إحنا بنعتقد إن القديس إله، أو إن له قوة مستقلة عن ربنا، أو إنه يقدر يخلّص الإنسان من الخطية بنفسه، يبقى فعلًا ده خطأ وشرك. لكن الكنيسة القبطية لا تؤمن بأي شيء من ده.

إيماننا واضح جدًا: الله واحد، الآب والابن والروح القدس. والعبادة لله وحده.

أما القديس، فنحن نكرمه لأنه عاش مع الله، ونمدح إيمانه وجهاده، ونشكر الله على النعمة اللي ظهرت في حياته.


توماس: بس الكتاب قال إن المجد لله. إزاي تمجدوا إنسان؟

معتز: كلمة "المجد" في الكتاب مش دايمًا معناها الألوهية. فيه مجد يخص الله وحده باعتباره الله، وفيه مجد وكرامة يعطيهما الله لعبيده.

المسيح نفسه قال: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني» يو 17: 22

وبولس الرسول يقول: «مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح» رو 2: 10

فكون إنسان له كرامة أو مجد من الله لا يجعله إلهًا.

بل الكتاب يقول عن المسيح: «متى جاء ليتمجد في قديسيه» 2 تس 1: 10

يعني المسيح نفسه يتمجد في قديسيه. (للمزيد في هذه النقطة، برجاء الرجوع لهذا المقال اضغط هنا)


توماس: يعني إيه "يتمجد في قديسيه"؟

معتز: أهم شيئ سياق الآية اللي استخدمها بولس الرسول في الرسالة عشان نفهم الآية .من السياق بولس الرسول يقصد لما تشوف شهيدًا احتمل العذاب علشان المسيح، أنت في الحقيقة بتشوف قوة نعمة ربنا فيه. ولما تشوف قديسًا عاش في محبة وطهارة واحتمال، أنت لا تقول إن الإنسان ده عظيم بعيدًا عن الله؛ أنت تقول: شوف نعمة ربنا عملت فيه إيه.

بولس نفسه قال: «بنعمة الله أنا ما أنا» 1 كو 15: 10

فالقديس مش منافس لربنا. القديس شاهد على عمل ربنا. (للمزيد في هذه النقطة، برجاء الرجوع لهذا المقال اضغط هنا)


توماس: طيب هل الكتاب أصلًا يسمح إننا نمدح بشر؟

معتز: مش بس يسمح، الكتاب نفسه بيعمل كده.

خد العذراء مثلًا. قالت: «هوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني» لو 1: 48

وفي سفر الأمثال عن المرأة الفاضلة: «قام أولادها وطوبوها، زوجها أيضًا فمدحها» أم 31: 28

هل زوجها لما مدحها عبدها؟ طبعًا لا.

وعبرانيين 11 إصحاح كامل تقريبًا بيذكر عظمة إيمان هابيل ونوح وإبراهيم وموسى وراحاب وداود وغيرهم.

والأوضح جدًا: «فلنمدح الرجال المشهورين، آباءنا في أجيالهم» يشوع بن سيراخ 44: 1

يعني فكرة مديح رجال الله وتطويبهم نفسها فكرة كتابية.


توماس: طب استنى. الكتاب بيقول: «فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه» عب 13: 15

يعني التسبيح ذبيحة، والذبيحة لله وحده. فإزاي تعملوا "تسابيح للقديسين"؟

معتز: هنا فيه نقطة مهمة جدًا: إحنا أصلًا، في التعبير الكنسي الدقيق، مش بنسمي مديح القديس "تسبحة". إحنا بنقول غالبًا: تمجيد القديس أو مديح القديس.

أما كلمة التسبحة في التقليد القبطي، فالاتجاه الأساسي فيها هو نحو الله.


توماس: بس ساعات الواحد يسمع تعبيرات زي "تسبحة الثلاثة فتية".

معتز: صحيح، ودي في الحقيقة توضح الفكرة بدل ما تنقضها.

لما الكنيسة تتذكر الثلاثة فتية، هي لا تقف لتسبح الثلاثة فتية كآلهة. بالعكس، تسمع الكنيسة تقول: «رتلوا للذي صُلب عنا...» يعني حتى وإحنا بنتذكر حياة القديسين ومعجزاتهم وأمانتهم، اتجاه التسبيح نفسه يروح للمسيح. نحن بنشوف ما فعله الله في حياتهم، ومن خلال قصتهم نقول:

ما أعظم الله الذي حفظهم، وقواهم، وأنقذهم، وثبتهم في الإيمان. فالقديس هنا يصبح سببًا للتسبيح، لكنه ليس موضوع العبادة.


توماس: يعني إيه "سببًا للتسبيح"؟

معتز: يعني مثلًا لما أشوف الثلاثة فتية واقفين وسط النار ولم تحرقهم، أنا لا أعبد الفتية.

أنا أقول: ما أعظم الإله الذي كان معهم في النار!

ولما أشوف شهيدًا احتمل الموت من أجل المسيح، أنا لا أعبد الشهيد. أنا أقول: ما أعظم نعمة المسيح التي أعطته القوة دي!

ولما أتأمل في حياة العذراء وطاعتها واتضاعها، أقول: ما أعظم عمل الله في هذا الإنسان.

فحياة القديس ممكن تصبح نافذة أرى من خلالها عمل الله.


توماس: لكن ليه بنسميها "تمجيد" إذن؟ كلمة تمجيد نفسها ممكن تتفهم غلط.

معتز: صحيح، وعلشان كده لازم نفهم الكلمة في معناها الكنسي.

لما نقول "تمجيد مارجرجس" مثلًا، مش معناها إننا بننسب له المجد الإلهي الذاتي اللي يخص الله وحده.

المقصود إننا:

  • نذكر فضائله وجهاده.

  • نطوبه بسبب أمانته للمسيح.

  • نفرح بالمجد الذي أعطاه الله له.

  • نمجد الله بسبب النعمة التي عملت فيه.

  • ونطلب صلاته من أجلنا.

فالتمجيد هنا مش: "أنت إله ولك المجد بذاتك."

لكن معناه أقرب إلى: "طوباك لأنك أكرمت المسيح في حياتك، والله أكرمك، ونحن نفرح بعمل نعمته فيك."


توماس: يعني أنتم بتفرقوا بين "تسبيح الله" و"تمجيد القديس"؟

معتز: بالضبط، وده فرق مهم جدًا. التسبيح بمعناه العبادي هو لله.

أما بالنسبة للقديس فنحن بالأحرى نقول: مديح، تطويب، إكرام، تمجيد.

وحتى كلمة "تمجيد" نفسها لا تعني إعطاء القديس مجد الألوهية، لكن الاعتراف بالمجد والكرامة اللذين وهبهما له الله.


توماس: طب الآية في عب 13:15 واضحة: "ذبيحة التسبيح". يعني أنت موافق إن دي لله وحده؟

معتز: مئة بالمئة.

الآية نفسها تقول: «فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه»

لاحظ ثلاث حاجات:

«به» : أي بالمسيح.
«لله» : اتجاه الذبيحة.
«معترفة باسمه» : موضوع التسبيح هو الله واسمه.

دي ذبيحة عبادة فعلًا، ولا نقدمها للعذراء ولا لمارجرجس ولا لأي مخلوق.


توماس: يبقى إيه المشكلة في الاعتراض؟

معتز: المشكلة إنه بيعمل مساواة بين حاجتين الكتاب نفسه بيفرق بينهم:

ذبيحة التسبيح لله
و
مديح أو تطويب إنسان بار.

فهو بيقول ضمنيًا:

"طالما التسبيح ذبيحة، إذن كل مديح لأي شخص هو ذبيحة عبادة."

لكن ده مش صحيح.


توماس: إزاي؟

معتز: لأن الكتاب نفسه يقول: «زوجها أيضًا فمدحها» أم 31: 28

هل الزوج لما مدح زوجته قدم لها ذبيحة؟ طبعًا لا.

 والعذراء قالت: «جميع الأجيال تطوبني» لو 1: 48 . هل الأجيال لما تطوبها بتعبدها؟ لا.

وسفر يشوع بن سيراخ يقول: «فلنمدح الرجال المشهورين» يشوع بن سيراخ 44: 1

إذن الكتاب يعرف الفرق بين مدح الإنسان وبين تسبيح الله كعبادة.


توماس: لكن كلمة "ذبيحة" نفسها قوية.

معتز: صحيح. والمثير إن الآية اللي بعدها مباشرة تقول: «ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لأنه بذبائح مثل هذه يُسر الله» عب 13: 16

يعني حتى فعل الخير والعطاء سماه الكتاب ذبائح. ولو أعطيت فقيرًا مالًا، هل معنى كده إنك قدمت عبادة للفقير؟

توماس: لا.

معتز: بالضبط.

الفعل وصل للإنسان، لكن الله يقبله كذبيحة محبة مقدمة له.

وبولس لما استلم عطية من المؤمنين قال عنها: «ذبيحة مقبولة مرضية عند الله» في 4: 18

العطية وصلت لبولس، لكن الذبيحة كانت عند الله.


توماس: طيب أنتم لما تقولوا "السلام لك يا مريم" أو "السلام لك يا شهيد"، ده مش صلاة لمخلوق؟

معتز: لازم نفرّق بين مخاطبة القديس وبين عبادة القديس. الملاك قال للعذراء: «السلام لك أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك» لو 1: 28. وأليصابات قالت: «مباركة أنت في النساء» لو 1: 42

هل الملاك وأليصابات كانوا بيعبدوها؟ طبعًا لا.

السلام والتطويب والإكرام شيء، والعبادة شيء آخر.


توماس: طيب إيه موضوع "اشفع فينا"؟ مش المفروض نطلب من ربنا مباشرة؟

معتز: نطلب من ربنا مباشرة طبعًا. لكن الكتاب في نفس الوقت يقول: «صلوا بعضكم لأجل بعض» يع 5: 16. وبولس الرسول نفسه كان يطلب من المؤمنين أن يصلوا لأجله. فلو قلت لك: "صلّي علشاني"، هل أنا جعلتك بديلًا عن المسيح؟

توماس: لا.

معتز: إذن طلب الصلاة من الآخر لا يعني عبادته. لكن يوضح فهمنا لحياة الشركة في المسيح. ان المسيح حيّ فينا.. هو قدوس يسكن فينا فيجعلنا قديسين.. هو نور، يسكن فينا فيجعلنا نوراً للعالم.. وهو أيضاً شفيع، يتصوّر فينا. فكيف الاعتراض أنه يملأنا بروح الشفاعة الطالبة لخلاص الآخرين والعاملة فيه وبه ومعه لخلاصهم؟..


توماس: بس القديسين ماتوا.

معتز: ماتوا بالجسد، لكن المسيح يقول: «ليس هو إله أموات بل إله أحياء، لأن الجميع عنده أحياء» لو 20: 38. وفي سفر الرؤيا نرى القديسين في السماء مرتبطين بصلوات الكنيسة: «جامات من ذهب مملوءة بخورًا هي صلوات القديسين» رؤ 5: 8

فهم ليسوا منفصلين عن المسيح أو عن جسده بسبب الموت. (للمزيد في هذه النقطة، برجاء الرجوع لهذا المقال اضغط هنا)


توماس: لكن الكتاب بيقول إن فيه «وسيطًا واحدًا بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح». مش كده الشفاعة بتعارض الآية؟

معتز: إطلاقًا.

المسيح هو الوسيط الوحيد للخلاص والمصالحة بين الله والإنسان.

هو وحده تجسد.
هو وحده مات عن خطايانا.
هو وحده قام.
هو وحده خلصنا بدمه.

ولا قديس يشاركه في هذه الوساطة.

لكن نفس الإصحاح قبلها يقول: «أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس»1 تي 2: 1

ثم يقول: «لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس» 1 تي 2: 5

إذن صلاة المؤمنين بعضهم لأجل بعض لا تنافس وساطة المسيح؛ بل تحدث داخلها.  (للمزيد في هذه النقطة، برجاء الرجوع لهذا المقال اضغط هنا وهذا المقال ايضاً اضغط هنا)


توماس: طيب أحيانًا نسمع تعبيرات شعبية مبالغ فيها عن القديسين.

معتز: ودي نقطة لازم نكون أمناء فيها.

العقيدة لا تُقاس بأي تعبير شعبي قاله شخص في أي وقت.

القديس:

ليس إلهًا.
ليس كلي القدرة.
ليس كلي العلم بذاته.
ليس موجودًا في كل مكان بذاته.
لا يغفر الخطايا من ذاته.
ولا يخلص الإنسان بعيدًا عن المسيح.

كل ما له هو من الله، وبنعمة الله، وفي المسيح.

ولو فيه تعبير شعبي ممكن يفهم بطريقة تعطي القديس صفة إلهية، لازم يُفهم أو يُصحح في ضوء إيمان الكنيسة.


توماس: طب ليه نعمل مديح وتمجيد للقديس من الأساس؟ مش الأفضل نركز على المسيح؟

معتز: لأن القديس الحقيقي لا يأخذك بعيدًا عن المسيح؛ بل يريك ماذا يستطيع المسيح أن يصنع في الإنسان.

لما تفتكر أنطونيوس، تفتكر شخصًا ترك كل شيء من أجل المسيح.

لما تفتكر شهيدًا، تشوف إنسانًا فضّل المسيح حتى على حياته.

ولما تفتكر العذراء، تسمع: «هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك» لو 1: 38

فالقديس مش نهاية الطريق، لكنه علامة تشير إلى المسيح.

زي ما بولس قال: «تمثلوا بي كما أنا أيضًا بالمسيح» 1 كو 11: 1   (للمزيد في هذه النقطة، برجاء الرجوع لهذا المقال اضغط هنا)


توماس: يعني ممكن مديح القديس نفسه ينتهي إلى تسبيح الله؟

معتز: بالضبط. ودي يمكن أهم نقطة في الموضوع كله. إحنا نمدح القديس بسبب ما فعله الله فيه.

فلو تأملت في الشهيد وقلت: "ما أعظم أمانته"، 

تأملك الطبيعي يقودك إلى: ما أعظم النعمة التي ثبتته.

ولو رأيت قديسًا عاش في طهارة: ما أعظم روح الله الذي قدسه.

ولو رأيت الثلاثة فتية وسط النار: ما أعظم الله الذي حفظهم.

وعلشان كده لما الكنيسة تدخل قصة القديسين جوه التسبحة، هي لا تحول التسبيح إليهم، لكن تحول حياتهم نفسها إلى سبب لتسبيح الله.


توماس: إذن ممكن تلخص لي المصطلحات بدقة؟

معتز: من عيني:

نسبّح الله.
نعبد الله.
نقدم ذبيحة التسبيح لله.

أما القديس:

نمدحه.
نطوبه.
نكرمه.
نمجده بمعنى أننا نفرح بالمجد الذي أعطاه الله له، ونعلن عمل نعمة الله فيه.

والأجمل أن مديح القديس نفسه، لما يكون صحيحًا، يرجع في النهاية إلى الله.

وعشان كده في آخر مديحة كل قديس بنقول "الكل يقولون يا إله القديس اعنا اجمعين"


توماس: يعني المسألة مش اننا حاطين القديس جنب ربنا.

معتز: أبدًا.

القديس ليس منافسًا للمسيح، بل ثمرة لعمل المسيح.

والكنيسة لا تقول للقديس: أنت مصدر المجد والنعمة.

لكنها تقول له: طوباك لأن نعمة الله عملت فيك، والله أكرمك، ونحن نمجد الله من أجل ما صنعه بك.

وده يلخص الفكرة كلها:

التسبيح لله،
والمديح للقديس،
ومن خلال حياة القديس يعود التسبيح مرة أخرى إلى الله.

Popular posts from this blog

The Church of the Saints

والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها، عالما أنها تولد خصومات (2 تي 2: 23)

كنيسة القديسين